تجربة رائدة للمركز ملتقى حوار الثقافات الأول لشباب الجامعات
2017-04-03
نظَّم مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان في الأول أبريل 2017م ملتقى الثقافات الأول للشباب الدارسون في جامعات دولة قطر، وذلك تحت شعار (ملتقى حوار الثقافات)، وقد جاء هذا الملتقى بحُلةٍ مختلفةٍ عمَّا هو المعتاد في الملتقيات الثقافية للشباب في قاعات الندوات أو في مدرجات الجامعات؛ حيث اختار المركز أن يكون الملتقى من حيث المكان والتوجه للطلاب المختارين مختلفًا ومتميزًا، فجاء الملتقى كرحلةٍ خلويةٍ ترفيهيةٍ وتعليميةٍ في منتجع سيلين على شاطي البحر، باختيار خمسة عشر طالبًا وطالبة من مختلف الجنسيات والديانات واللغات، كانوا قد حصلوا على منحةٍ لدراسة اللغة العربية بمركز تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بجامعة قطر.

وفي هذا الإطار أوضح الأستاذ الدكتور إبراهيم النعيمي رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان سببَ جعل الملتقى على هذه الصورة بقوله: "فكرة الملتقيات الثقافية من حيث الاجتماع وتبادل الأفكار والتعرف على الآخر ومحاورته هي فكرةٌ أصيلةٌ لمركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، وعليها ترتكز كلُّ فعالياته وأنشطته الثقافية ابتداءً من المؤتمر السنوي للمركز، ومرورًا بالطاولات المستديرة لمناقشة قضايا الجاليات في قطر، والدورات التدريبية والندوات الثقافية وورش العمل وحتى الكتب التي يصدرها المركز تتمحور مواضيعها حول هذا؛ لكننا ارتأينا في الشباب جانبًا مختلفًا فرض علينا التفكير بطريقة مختلفة عن الطريقة المعتادة في الملتقيات الثقافية، وهو أن الاقتراب منهم أكثر ينبغي أن يكون بما يعتادون عليه ويألفونه ولا يشعرون فيه بمسؤليه الدراسة والاستذكار أو نمطية الحوار والنقاش، فوقع اختيارنا للملتقى أن يكون رحلة إلى منتجع سيلين تتجسد فيها عمليًّا ثقافة الآخر وسلوكه ويكون التعارف فيه أقرب، والنقاش أرحب، وأكثر ودية وصدق، هذا من جهة. من جهةٍ أخرى كان التفكير في كيفية جعل الملتقى لأكبر عددٍ من الشباب المتعدد الثقافات والعادات والدين واللغة؛ لنحقق الغاية المنشودة منه، وهي قراءة فكر الآخر بوضوح، ونظرته للمختلف معه في الدين واللغة والثقافة، والتعرف عليه عن قرب، وهذا أردنا تحقيقه لكل المشاركين من الشباب في الملتقى؛ خاصةً وأن الشباب هم حملة شعلة المستقبل وهم بناة الحاضر".

بدأ الملتقى بعد التحرك من الدوحة إلى المخيم في السابعة والنصف صباحًا بالتعارف المعتاد ثم بكلمةٍ ترحيبيةٍ للدكتور ابراهيم النعيمي رئيس مجلس إدارة المركز، أوضح خلالها أن ذلك الملتقى بالنسبة للمركز من أهم ما يمكن أن ينجزه، إذا تم بالصورة المرجوة، وذلك تحفيزًا للطلاب المشاركين، ثم قام بعرضٍ لأنشطة المركز المختلفة وأهدافه من خلال فيلمٍ تسجيليٍّ عن المركز، وأوضح لهم أنه بالرغم من وجود أساتذة معنا يدرسون على أيديهم العديد من الطلاب بالجامعة إلا أن الحوار اليوم والنقاش الذي سيديرونه سيكون منكم أنتم سواء من حيث الأسئلة أو الإجابات عليها، وسنكون جميعًا مستمعين لكم ومشاركين، ثم بدأت فعاليات الملتقى بصورةٍ غير معتادة كان فيها الفاعل الرئيسي والمحاور الأول هم الطلبة. ومن بين النقاط الهامة التي تفاعل معها الطلاب المشاركون سؤالًا طرحه الدكتور خير الدين خوجه أستاذ التفسير وعلوم القرآن والثقافة الإسلامية المشارك بكلية المجتمع في قطر قائلا: كيف تنظرون إلى الغد؟ هل أنتم بحاجة إلى المزيد من الأوضاع الراهنة من ثقافة إراقة الدماء وثقافة التدمير والتفجير والخراب، أم أنكم بحاجة إلى ثقافة أخرى، ثقافة الحوار والتعايش السلمي المشترك؟ وما هو السبيل الذي يمكن من خلاله تجنب الصراعات التي تعصف بالعالم؟ وكان أول المجيبين الطالب أركون إسلام من مقدونيا قائلا: "نحن بحاجة إلى الحوار ومحاولة فهم الأخر وتوجهاته الفكرية بحرية وصدق والتي قد تكون مختلفة معنا، وعلينا أن نحترم هذا الاختيار الإلهي لكل منا، فأنا قد خلقني الله مسلمًا وخلقني في هذه البقعة من الأرض في جنوب شرق أوربا بلون بشرة مختلف عن الآخر وبلسان مختلف، وكذلك خلق الله غيري من غير المسلمين، فينبغي علي أن أحترم هذا الاختلاف والاختيار الإلهي لنعيش بسلام". وتداخلت الطالبة ماريا ديجا شينكو من أوكرانيا متفقةً مع أركون لكنها أوضحت: "أننا ينبغي أن نتقبل ونعترف بوجود الاختلاف العرقي والديني والفكري، وعلى الجميع أن يفهموا أن اختلافهم في فكر معين أو دين معين لا يعني خلافهم وبغضهم لبعضهم البعض، وهذا ما يقع الكثيرون فيه حينما يتحاورون مع الآخر المختلف معهم في الدين أو الثقافة، وعلينا أن نقترب من الآخر فعليًّا لنعرفه عن قربٍ وحقيقةٍ ولا نكتفي بما يُذاع في الصحف والمجلات والإعلام من الأخبار السطحية، فهذا الجهل بالآخر يؤدي إلى الاعتداء والصراعات الموجودة في العالم". وأضافت الطالبة ستي بدرية من إندونسيا: "أنه ينبغي علينا أن نزرع هذه القيم والأفكار في عقول وقلوب الأطفال منذ الصغر؛ فحينئذ ينشأ جيل سالم مسالم محب محترم للآخر ". وأضافت الطالبة تانيا ميسورادزي من جورجيا:"أن هناك شيئًا هامًا إن تمسكنا به سيجنبنا الكثير من الصراعات وهو المحبة باعتبار أننا كلنا من أب واحد وأم واحدة". وهنا تداخل الطالب عبد السلام من الهند قائلا: "إن المحبة للآخر هي الفطرة الأساسية الموجودة في قلوبنا تجاه بعضنا البعض لكن الكثيرين انهزموا أمام البغض والكراهية فتحولت فطرتهم للحقد والصراع ورفض الآخر ومعاداته".

وطال هذا الحوار وأوضح فيه المشاركون من غير المسلمين رأيا اتفقوا فيه جميعهم قائلين: "إنه كثيرًا ما يُساء فهمنا للإسلام فنظن أن الإسلام هو تلك المجموعات الإرهابية الموجودة في أماكن عديدة بينما الذي رأيناه في قطر هو خلاف ذلك وما رايناه في هذا الملتقى خلاف ذلك". ثم تساءل الدكتور أحمد عبد الرحيم الباحث بمركز الدوحة الدولي لحوار الأديان عن السبب الذي جعل كل من الحاضرين من الطلبة والطالبات يقدمون على تعلم اللغة العربية؟ وكان هذا السؤال بابًا لأن يقترب الطلاب من عقليات بعضهم البعض وطموحاتهم، فكان أول المتداخلين شوجو ساكاموتو من اليابان قائلا: "جاء اختياري للغة العربية لأنني وجدت اختلافا كبيرا بين هذه اللغة التي وصفها بالجميلة وبين اللغة اليابانية وكذلك طموحي العملي لأن أعمل في إحدى سفارات بلدي بالدول العربية". ثم تبعه إسماعيل جاندولين من روسيا قائلا: "إنه لكونه مسلمًا واللغة العربية هي اللغة التي نزل بها القرآن فكان ذلك سببًا رئيسًا له ليحب هذه اللغة ويعتبرها ضرورة بالنسبة له". ومما يجدر الإشارة إليه أن إسماعيل هو من بدأ الملتقى بتلاوة آيات من القرآن الكريم.

ثم قالت ليلى مزاحم من المملكة المتحدة:"أنها من أصل لبناني ولكونها بريطانية الجنسية لم يكن لها حظ وافر في تعلم اللغة العربية التي هي لغة أهلها ووطنها الأول لبنان". وقالت ناتاليا تريتيك من أوكرانيا:"أنها أنهت دراستها في الإعلام وتطمح لأن تكون مترجمة أو تعمل في الإعلام الناطق باللغة العربية في بلادها". وتخلل الحوار الصراحة فأوضح بعضهم:"أنه لم يكن يفكر في دراسة اللغة العربية لكنه درسها منذ الصغر في المدرسة لكن ليس بالصورة التي يتمنى فأراد أن يتم دراستها في بلد عربي". وكان ذلك من الطالبة ستي بدرية من إندونسيا، وقالت نفس الرد الطالبة ستي خديجة من ماليزيا، وفي نهاية هذا الحوار قال الطالب ين نوك من فيتنام:"أنه فكر في دراسة اللغة العربية رغم صعوبتها بالنسبة له؛ لأن الكثيرين من أقرانه بالجامعة يُقبلون على تعلم اللغات الأخرى غير العربية". ثم تداخل الدكتور محمادي علي الباحث الأول بمركز الدوحة الدولي لحوار الأديان ببعض الكلمات عن اللغة العربية وأهمية دراستها، وكيف أنها الآن اللغة الثانية عالميًّا وأن الكثير من التراث الفكري الإنساني مكتوب باللغة العربية.

وبعد حوارٍ طويلٍ في أمور فكريةٍ عديدةٍ وكذلك شخصية حول طموحات الطلبة والطالبات، بدأت مسابقة ثقافية أعدها الدكتور محمد رفاعيأستاذ العقيدة والثقافة الإسلامية بكلية المجتمع في قطر أفاضت على الملتقى جواً من البهجة والمودة والألفة، وانتهت بتوزيع جوائز من مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان للطلبة والطالبات الفائزين ثم توزيع هدايا لهم وشهادات تقدير.

وفي تصريحٍ أخيرللدكتور خير الدين خوجة الذي بذل جهدًا مشكورًا في هذا الملتقى وظهر أن الطلبة والطالبات قد تأثروا بشخصيته المتواضعه واستفادوا من علمه صرح قائلا: "كان هذا الملتقى ملتقًى رائعًا دون أدنى مبالغة؛ وذلك بمشاركة هذا العدد غير القليل من الطلبة والطالبات من بلاد مختلفة وثقافات وديانات مختلفة، من روسيا ومقدونيا واليابان وفيتنام وإندونسيا وماليزيا، والمملكة المتحدة وجورجيا والهند، كما جاء هذا الملتقى في ظل أوضاع اجتماعية وفكرية وسياسية حرجة في العالم، ونحن بأمس الحاجة لمثل هذه الملتقيات لكي نبني مستقبلا مشرقا، وغدا أفضل لنا ولأجيالنا من بعدنا".

واختتم الملتقى فعالياته في الساعة الثانية والنصف ظهرًا في جوٍّ من المحبة والمودة التي بدت على وجوه كل المشاركين الذين توطدت علاقاتهم ووعدوا بتواصل مستمر فيما بينهم، وبين مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان.