افتتاح مؤتمر في أوكرانيا يؤكد على دور القيم الدينية في نشر ثقافة السلام
2017-10-17
إبراهيم النعيمي : الفهمُ الخاطئ لمقاصدِ الدينِ سبب رئيس في انتشار الكراهية
محمد الغامدي: تكتسب المؤسسات الدينية أهميتَها من أهمية الدينِ نفسِه في حياة الإنسان

افتتح يوم أمس في العاصمة الأوكرانية مؤتمر دولي حول "دور القيم الدينية في تعزيز استقرار المجتمع ونشر ثقافة السلام ونبذ الكراهية" ، وهذا المؤتمر الذي سيختتم أعماله اليوم الأربعاء، من تنظيم مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، بالتعاون مع المركز الأوكراني للتواصل والحوار،بمشاركة نخبة من المفكرين والباحثين من علماء الديانات السماوية الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية).

وقد افتتح فعاليات المؤتمر،سعادة السيد/ يفقين نيشوك- وزير الثقافة وإدارة الأديان في أوكرانيا، كما شارك في الافتتاح سعادة الاستاذ الدكتور/ إبراهيم بن صالح النعيمي– رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، وحضر جلسات المؤتمر مفتي أوكرانيا، وعدد من المسؤولين، وعلماء دين مسلمون ومسيحيون ويهود.

واستهل سعادة الاستاذ الدكتور/ إبراهيم بن صالح النعيمي– رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان كلمته الافتتاحية، في المؤتمر، بأبيات شعرية للأديب والشاعر الأوكراني الأشهر تاراس شيفيتشنكو، والتي جاء فيها : مَن لا يعرفُ الرحمةَ والمحبةَ فليس من الأغنياء، ومَن كان متكبرًا حسودًا فليس من الأقوياء

وأشار إلى أن هذه الكلمات تحمل قيما إنسانية راقية، وأن هذا الأديب والشاعر خاض معارك حاسمة من أجل الحرية والإنسانية"، فالمحبةُ والرحمةُ خيرُ كنزِ للإنسان، والتواضعُ والعطاءُ هما مصدر قوته الحقيقة، والسلام مع النفس ومع كل الناس هو ما يصل نفس الإنسان من الأرض بالسماء.

وأكد الدكتور إبراهيم النعيمي، على أن القيم الإنسانية العليا، مصدرها تعاليم السماء: لقد أحببتُ أن أبدأ بهذه الكلمات في مؤتمرٍ مُختصٍّ بالقيم الدينية؛ لأثبتَ أن القيم الدينية التي مصدرها تعاليم السماء لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن القيم الإنسانية التي حملها عظماء الإنسانية ودعوا إليها.

وعن العلاقات بين، قطر وأوكرانيا، قال النعيمي: جميعنا يعلم أن العلاقات بين قطر وأوكرانيا تشهد تطوُّرًا كبيرًا، خاصة في السنوات الأخيرة سياسيًّا واقتصاديًّا، بل إنها تخطت حدود العلاقات الدبلوماسية العادية بين الدول لتصل إلى توَحُّد الرؤى والمواقف حول القضايا الدولية، وإلى آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي، خاصةً في مجال الغاز والطاقة، وازدياد حجم التبادل التجاري بين البلدين، وقد كانت قطر من أوائل الدول الداعمة للموقف الأوكراني فيما يخص شبه جزيرة القرم، لكن علينا أن نعلم كذلك أن العلاقات الثقافية بين البلدين تسير على نفس النهج، بل وتزداد تقاربًا وتواصلا؛ ولا أدلَّ على ذلك من تواجدنا اليوم معًا في مؤتمرٍ دولي يُقام بالتعاون بين مؤسستين ثقافيتين مهمتين في البلدين، هما مركز التواصل الأوكراني ومركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، وتحت رعاية وزارة الثقافة الأوكرانية.

وقال رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان بأن الصراعاتِ التي يشهدها العالم اليوم، وتعصفُ بأمنه واستقراره، هي في الحقيقة من أكبر التحديات التي تفرضُ علينا جميعًا البحثَ في أسبابها وجذورها، والسعيَ لإيجاد سُبلٍ لمواجهتها والتصدي لها، والبحثَ عن الوسائل الممكنة لحلها، وقد جاء عنوان هذا المؤتمر "دور القيم الدينية في استقرار المجتمع وتعزيز ثقافة التعايش ونبذ الكراهية" ليضعَ يدَه على أحدِ أهمِّ هذه الأسباب، وهي الكراهية وغياب ثقافة التعايش.

وقال أيضا : فلا شك أنَّ تنامي ظاهرة الكراهية يعترضُ طريقَ التعايش، ويقفُ مانعًا كبيرًا عن تحقيق السلام، وهي كذلك شكلٌ من أشكال العنصرية.

وأشار إلى أن الفهم الخاطئ لتعاليم الدين، قد يتسبب بالكراهية: ولا بدَّ لنا أن نعترفَ أنَّ الجهل بالقيم الدينية والفهمُ الخاطئ لمقاصدِ الدينِ الحقيقية، وغايةِ الله الأسمى من خلقه، كان سببًا رئيسًا في انتشار ظاهرة الكراهية؛ وازدياد الممارساتٍ التي نراها اليوم، والتي تدعمُها الكراهيةُ الدينيةُ، وتُشعل نيرانَها الأحقادُ العنصرية، وكلُّ ذلك قد أفرزَ لنا تلك النماذجَ المتطرفة التي باتت تهدد العالم اليوم وسلامه واستقراه.

من المؤكد أنَّ القيمَ الدينية والقيادات الدينية- قبل الحكومات- لها دورٌ كبير، بل الدور الأكبر في استقرار المجتمع ونشر ثقافة التعايش ونبذ الكراهية؛ بحكم التأثير الروحي والفكري والاحترام التي تحظى به تلك القيادات لدى مجتمعاتها؛ فلا شكَّ أن المهمة الأولى للدين هي تأصيلُ الوازعِ الأخلاقيِّ في النفوس، والتقاربُ مع الآخر.
ولذلك.. فقد أصبح اليوم من الواجبات الأكيدة والضروريات المُلِحَّةً على القيادات الدينية إبرازُ دورِ القيم الدينية التي نستلهم منها روحَ الأديان الحقيقية؛ لنعالج ما أصاب الحضارة المعاصرة من شرخٍ في قيمها ومبادئها، وما نتج عن ذلك من نظريات فاسدة مثل التفوق العرقي والتميز القومي والعنصرية والطائفية.
ولعله لا سبيلَ للمواجهةِ الحقيقيةِ لانتشارِ ظاهرةِ الكراهية؛ إلَّا بمواجهةِ أصلِها وتطهيرِ جذورها، تلك المواجهةُ القائمةُ على الحوارِ والمحاجاةِ بالفكر، والسعيِّ بكلِّ سبيلٍ- عِلمًا وعَملا- لكشفِ الضلالِ الكامن في دعوات الكراهية والعنصرية، وخلقِ بيئةٍ حواريةٍ مع الآخر؛ فهذه هي الوسيلة الأمثل، بل الوحيدة للتغلُّبِ على كافَّةِ المشكلات التي أَوْدَت بالعالم– كما نرى- إلى الصراع والتصادم.

وختم النعيمي كلمته، مشددا على أهمية الحوار، فقال: وإن كنا نرى اليومَ أنَّ الحوارَ الثقافيَّ والاقتصاديَّ والسياسيَّ قد صار ضرورةً حضاريةً لا غِنى عنها لتطوُّرِ الحياةِ ونهضتها؛ فلا شكَّ أن الحوارَ الدينيَّ لهو ضرورةٌ أكثرُ إلحاحًا؛ لمواجهة الكراهية والتطرُّفِ والغلوِ والتعصب، وهو ضرورةٌ كذلك لبيانِ حقيقةِ القيم الدينية، ورفضِ الأديان السماوية للصراع والتصادم، ولكل من يدعو إليهما، وخلقِ روحِ السلام بين كافَّة البشر على اختلاف أجناسهم ودياناتهم، والاتفاقِ على قيمٍ إنسانيةٍ مشتركةٍ تهدفُ للتعايشِ والتسامحِ والتعاونِ والسلام، وقبول الآخر والاعتراف بحقوقه، وحريته الدينية والمدنية.

وخلال المؤتمر قدم الأستاذ محمد الغامدي، عضو مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان ورقة عمل بعنوان دور المؤسسات الدينية في تعزيز ثقافة التعايش ونبذ الكراهية، جاء فيها: المؤسساتِ الدينية في تاريخنا المعاصر منوطٌ بها أن تقوم بدورٍ رئيس، ومهمةٍ واجبةٍ في كافَّة القضايا التي تعصفُ بعالمنا اليوم، ولا ننكرُ أن هذا الدور قد شهد- وما زال يشهدُ- موجاتٍ من المدِّ والجزر ما بين الاستجابة من أطرافٍ والتحفُّظ أو حتى الرفض من أطراف أخرى.

وتكتسب المؤسسات الدينية أهميتَها الكبيرةَ هذه من أهمية الدينِ نفسِه في حياة الإنسان، وكونِه المكوِّنَ الروحيَّ الأول لمعالم شخصية الفرد التي يُؤسَّس عليها سلوكه، والقيمِ التي يؤمن بها، التي تسهم في صلاحه وصلاح مجتمعه والمجتمع الإنساني كله.

وتناولت ورقة العمل، محورين رئيسيين، وهما : المحور الأول: تعريف المؤسسات الدينية ودورها في تعزيز ثقافة التعايش ونبذ الكراهية، فيما تناول المحور الثاني: مقترحات لتطوير دور المؤسسات الدينية.
وينعقد المؤتمر تحت رعاية إدارة الأديان والقوميات في وزارة الثقافة الأوكرانية، ويتألف من 3 محاور أساسية، المحور الأول: دور القيم الدينية في نشر ثقافة التعايش ونبذ الكراهية، ويتناول المحور الثاني: دور القيادات الدينية في تنشئة الأجيال على الحوار وقبول الأخر، فيما يركز المحور الأخير على دور الحكومات في توطيد العلاقات بين أتباع الديانات.

ويمثل مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، وفد مؤلف من الدكتور إبراهيم النعيمي رئيس مجلس الإدارة، والسيد محمد الغامدي عضو مجلس الإدارة، والدكتور أحمد عبد الرحيم الباحث بالمركز، والأستاذة نادية الأشقر مسؤولة تنظيم المؤتمرات بالمركز.

ومن أبرز المشاركين في المؤتمر، نائب الرئيس الأوكراني للشؤون الثقافية والدينية رستسلاف بفلينكو، ونائب رئيس الوزراء بافلو ريزنكو، ووزير الثقافة الأوكراني، ورئيس إدارة الأديان والقوميات في وزارة الثقافة أندريه يورش، والدكتور/ عماد أبو الرب– مدير المركز الاوكراني للتواصل والحوار، وعدد من الشخصيات الدينية المهمة، الممثلة للديانتين المسيحية والمسلمة.

ويعد المؤتمر أول مؤتمر بهذا المستوى يقام برعاية رسمية من إدارة شؤون الأديان والقوميات في أوكرانيا، ويشارك به مسئولين رفيعي المستوى من الجانب الحكومي ويشمل رؤساء لجان وأقسام الأديان والقوميات في مكتب الرّئاسة ورئاسة الوزراء ووزارة الثقافة والبرلمان الأوكراني إضافة لمدراء الإدارات الدينية في كافة المحافظات الأوكرانية، كما يُعتبر هذا المؤتمر أول مؤتمر يجمع كافّة المؤسسات والإدارات الدينية الحكومية والخاصة مما يُعزّز التعاون الإيجابي بين أتباع الديانات ويرسم ملامح مستقبل التعايش الإيجابي بين مكوّنات المجتمع الأوكراني والإنساني.